بعض الأزواج يتقبلونها والأكثرية يتذمرون منها
تسألك عن تفاصيل يومك إلى أين ذاهب؟ ومن قابلت من الناس؟ وكم من المال سلفت لصديقك؟ ولماذا اتصلت بك أختك؟ وكيف كان اجتماعك مع مديرك؟ إنها ليس محققاً موفداً من قسم الشرطة، إنها زوجتك. لكن لا تلعن حظك في الزواج. لست وحدك فـ "الزوجة الحشرية" شخصية حقيقية تعيش داخل كل بيت تقريباً.
- فضول:
"الفضول قتل القطة" (curiosity killed a cat) مثل إنجليزي شهير يقال للجميع عن مخاطر الحشرية كي يأخذوا منه الحكمة والعظة. باستثناء النساء، إذ إن معظم بنات حواء لا يحرك هذا المثل فيهن ساكناً، وتظل حواء في كثير من الثقافات الشرقية أو الغربية تمارس هوايتها المفضلة في البحث وتقصي الحقائق، فما بالكم إذا كانت زوجة؟
تمتلئ سجلات التاريخ الاجتماعي والأساطير القديمة بالقصص عن فضول المرأة، وأشهرها قصة "ذو اللحية الزرقاء" ولمن لا يعرفها، فهي حكاية يونانية تقول إن ذا اللحية الزرقاء منح زوجته قصراً فيه 99 غرفة، لكنه اشترط ألّا تفتح الغرفة رقم 100. لكن الأخيرة لم تعد تر في الكون كله إلا تلك الغرفة وأرقها الفضول. فلم تتمالك نفسها وفتحتها، ففقدت بسبب ذلك حياتها. إنها أسطورة تعبر بدقة عن فضول الأنثى، ولكن هناك في الحياة الواقعية مئات القصص، عن الزوجات اللواتي يتدخلن في ما يعنيهن وما لا يعنيهن من شؤون الأزواج، وبالتجربة فإن حشرية الزوجة قد لا تقتلها كما فعلت مع القطة، ولكن لا أحد يضمن ما يمكن أن تسببه من مضايقات ومشاكل أو تذمر من زوجها.
- المباحث:
يطلق أبو هاني (محاسب، متزوج منذ 16 عاماً وأب لطفلين) على زوجته سراً تسمية "المباحث". وهو يشير إلى أن مسلسل الاستجواب الذي تمارسه معه "بلا نهاية"، إذ إنه طوال حياته الزوجية الممتدة منذ سبعة أعوام، يتعرض لتدخلها في كل أموره". يقول: "زوجتي ترهقني بالكثير من الأسئلة عن كل ما جرى في يومي، وتصر على أن تحصل على رد مني، ولا يتبقى لها إلا أن تقول في ختام تحقيقها اليومي معي: هل لديك أقوال أخرى؟ فأجيب بالنفي، وتكتمل الصورة كما يحدث في مخافر الشرطة". ويعطي أبو هاني مثالاً عن معاناته، يقول: "أحياناً عندما أكون جالساً مع أسرتي وأتلقى اتصالاً، أعمد إلى اختيار ركن قصي بعيداً عن صخب الأطفال وضجيج التلفزيون، كي يكون في إمكاني سماع الحديث مع المتصل، فأجد أن عيني زوجتي تتبعانني حيثما ذهبت". يشير أبو هاني إلى أن زوجته، تراقب حركات شفاهه وملامح وجهه، علها تتمكن من تخمين موضوع الاتصال وشخصية المتصل، ويضيف: "ما إن تنتهي المحادثة حتى تهجم عليّ منتظرة أن أبادر بإخبارها عن الموضوع من تلقاء نفسي، أو تواجهني بسيل من الأسئلة، على شاكلة: من هذه؟ ماذا تريد، لماذا لم تتحدث معها أمامنا؟ وأظل طوال اليوم أقنعها بأن من اتصل هو مديري الرجل".
- لجنة تقصي الحقائق:
أما عبدالله. س (رجل أعمال متزوج منذ 16 عاماً) فيقول إنه يرشح زوجته بجدارة لتكون عضواً في "لجنة تقصي الحقائق" الدولية، مؤكداً أنها "ستكون فرداً فاعلاً في استخلاص كل شاردة وواردة بحرفية شديدة، ذلك أن لها آذاناً تلتقط الصوت ولو عن بُعد كيلومتر". ويحكي عبدالله عن تفاصيل هذه الحشرية التي تمارسها زوجته، يقول: "إذا عدت متأخراً إلى البيت تسألني: (أين كنت؟) و(ما الذي أخرك؟) مَن كان معك في السهرة وعم تحدثتم؟". كما يؤكد عبدالله أن فضول زوجته يتبعه إلى مكان عمله: "حتى وإن لم تكن تدري عن تفاصيل هذا العمل شيئاً، فهي لا تدع صغيرة ولا كبيرة إلا وتسأل عنها، فترغب في معرفة كل التفاصيل: مثلاً كم كان نصيبك من الصفقة الأخيرة؟ ولماذا يأخذ شريكك حصة أكبر منك؟". ويمضي عبدالله في سرد معاناته، يقول: "لا تتوقف الأسئلة أبداً، تسألني زوجتي باستمرار عن الموظفات اللواتي يعملن معي، كيف هي السكرتيرة الجديدة؟ هل هي متزوجة أو عزباء؟ قصيرة أم طويلة؟ صغيرة أم كبيرة في السن؟ هل تكلمك كثيراً؟ لماذا لا تختار رجلاً بدلاً منها؟ وتعيد الأسئلة مرة أخرى بشكل مزعج". يعترف عبدالله بأن هذه المسألة تسبب له الضيق، يقول: "أتذمر كثيراً وأبدي استيائي من هذا الوضع، لدرجة أني هددتها بالطلاق، وكانت تعدني بأنها ستغير عادتها هذه، ولكن لا حياة لمن تنادي، ما إن أدخل البيت حتى تبدأ جلساتها الاستفهامية الاستخباراتية".
- أمر طبيعي:
من وجهة نظر محمد علي (موظف، متزوج منذ 11 عاماً) أن "النساء ثرثارات بطبعهنّ، كما أن لديهنّ قدراً كبيراً من الفضول، وهذا أمر يجب التعايش معه، خاصة إذا كان في الحد المعقول". يجد محمد أن "الرجل العاقل لابدّ أن يراعي فطرة وسيكولوجية المرأة بهذا الشأن"، لافتاً إلى أن "العلاج يكون بمقابلة الأمر بالحكمة وبالكلمة الحلوة، وأن يحاول الزوج إرضاء فضول زوجته الفطري بقدر الإمكان". وعندما سألنا نارت علي (متزوج منذ 5 أعوام) عما إذا كانت زوجته حشرية أجاب بضحكة مازحاً: "وهل يوجد على وجه الأرض زوجة غير حشرية؟". وبروح المرح نفسه، يقول نارت إنه يحفظ عن ظهر قلب أسئلة زوجته وأساليبها لمعرفة ما يخفيه عنها، سواء أكان ذلك على مستوى الأسئلة المركزة في هذا الخصوص، والتي تسألها وتبحث عن إجابات مفصلة فيها، أو تلك التي تطرحها بقصد معرفة ما وراء الخبر". ويضيف: "هذا بالطبع الأسلوب الذي تتبعه زوجات كل من أعرف، وإذا نظرنا إلى الجانب الحسن للمسألة، نجد أن هذه الأسئلة هي دليل للاهتمام". ويختم نارت بالابتسامة ذاتها، لافتاً إلى أنه "في اليوم الذي لا تسألني فيه زوجتي أسئلتها المعتادة، سأدرك أنها كفت عن حبي".
- تأقلم:
في المقابل: يرفض محمد العتوم (متزوج منذ عامين) أن يفسر أسئلة الزوجات على أنها حشرية، يقول: "أنا لا أنظر إلى الأمر على أنه حشرية. فالزوجة لا تتدخل في شؤون شخص غريب لا يمت إليها بصلة إنما هذا زوجها وشريك حياتها، وهذا السلوك جزء من طبيعة العلاقة الزوجية". ويضيف مؤكداً أن "كثيراً من الأزواج يسعدون بهذا، ويعتبرونه نوعاً من الاهتمام بهم". أما بلال العبد (متزوج منذ 13 عاماً)، فيرى أن ما يسبب المشاكل في هذا الإطار "هو شعور بعض الأزواج باختراق خصوصيتهم التي يؤمنون مسبقاً بأن لهم مطلق الحرية في إطلاع زوجته على بعض منها أو حجبها". ويلفت جمال خالد عشا (متزوج منذ 23 عاماً) إلى أن "حشرية الزوجة في معرفة كل سكنات زوجها وحركاته، تكون قوية في سنوات الزواج الأولى". ويقول: "في المرحلة الأولى من الزواج، قد تسبب أسئلة الزوجة وحشريتها المشاكل، نتيجة إصرار كل من الطرفين على الدفاع عما يعتبرانه حقهما المشروع في المعرفة أو التكتم". ويتابع: "لكن، ومع مرور الوقت، فإن الزوجة تشعر بالاطمئنان وتأخذ أسئلتها الأزلية منحى آخر مبطناً بمبررات الاهتمام بالزوج ورعايته، كما أن الزوج يتأقلم على مسألة الاستجواب هذه ويعتبرها من توابع مؤسسة الزواج".
- مبررات:
هذا عن الرجال فماذا عن الطرف الآخر؟ تؤكد رندا معوض (ربة منزل متزوجة منذ 11 عاماً) أنها لا تلوم الزوجة على بعض فضولها، تقول: "حرص المرأة على بيتها، ورغبتها في الاطمئنان على كل ما يحيط به، يدفعها إلى الفضول وإلى الرغبة في معرفة كل ما يدور مع زوجها". لا تضع رندا معظم فضول الزوجات في خانة عدم الثقة، وتضيف: "حتى وإن اعتبرني الناس حشرية، فإن هذه الصفة لا تعيبني على الإطلاق بل تضعني في الموضع الصحيح كزوجة مهتمة بزوجها، وبكل صغيرة وكبيرة تتعلق به".
- اعتراف:
وتعترف دانا يونس (موظفة متزوجة منذ 5 أعوام) بحشريتها في ما يتعلق بشؤون زوجها ولكن ليس دائماً، تقول: "فضولي يزداد في بعض الأحيان عندما أشعر بأن زوجي يخفي عني أمراً معيناً أو تعامل معي فيه بغموض". لا تظن دانا أن زوجها يكون سعيداً بهذا النهج "فالرجل عموماً ينزعج من التدخل في شؤونه، والاستفسارات، ويعتبرها نوعاً من عدم الثقة أو تدخلاً في خصوصياته وحريته الشخصية، ولكنه في المقابل إذا أراد أن يتجنب هذا الوضع عليه أن يخبر زوجته بكل الأمور المهمة التي تحدث معه".
- أدوات الحوار:
تنفي أميرة مصباح حامد (مدرسة متزوجة منذ 29 عاماً) أن تكون زوجة حشرية بالمعنى السلبي للكلمة. شارحة بأن المرأة ذات طبيعة ميالة إلى الاهتمام بالتفاصيل" هذه الطبيعة تجعلها تلجأ إلى الأسئلة كإحدى الأدوات التي توصلها إلى ما تريد، في مواجهة طبيعة الرجل العملي قليل الكلام، كما أنها تعتبر أن من حقها الاطلاع على كل تفاصيل حياة أسرتها لا سيما تصرفات زوجها داخل البيت وخارجه". تستدرك أميرة "لذا فكثير من الأزواج يعتقدون أن في الأمر حشرية، يغفلون عن تفسيره بأنه مجرد اختلاف في طبائع الجنسين".
ولا تبعد هناء العتوم (ربة منزل، متزوجة منذ عامين) من سياق الفكرة التي طرحتها أميرة حين تضيف قائلة: "إن الأسئلة الكثيرة التي تطرحها المرأة لزوجها ويفسرها البعض بأنها حشرية، ليست إلا محاولات من قبل الزوجة لرمي حجر في بركة الحياة الزوجية الساكنة، وخلق حركة من الحوار بين الزوجين فالرجل بطبيعته قليل الكلام وهي ثرثارة". وتؤكد هناء "رغبة المرأة في الحديث والمحاورة مع زوجها، تدفعها إلى ممارسة الأسئلة، حتى تولد منها موضوعاً مشتركاً، يحقن مصل الحيوية في جسد العلاقة الزوجية، والوصول بها إلى أعلى درجات الشفافية والمصارحة الذي هو حلم كل زوجة". كذلك، لا ترى فاطمة الحوسني (ربة منزل متزوجة منذ 6 أعوام) مبرراً لامتعاض الزوج من أسئلة زوجته عن تحركاته اليومية وعن سبب تأخره ومتى؟ وكيف؟ وأين؟ ما دامت شريكة حياته، تعيش معه في بيته، فالزواج في رأي فاطمة هو "مشاركة ورعاية واهتمام".
- طبيعة عاطفية:
هل صحيح أن كل زوجة حشرية بالفطرة؟ وهل أن فضول الزوجة في معرفة كل ما يدور مع زوجها هو دليل اهتمام أو سيطرة؟ وكيف يتعامل الزوج مع زوجته الحشرية، هل يجاريها أم يصدها؟ مجموعة أسئلة وضعت على طاولة المستشار الأسري ومدرب التنمية البشرية عبيد بن سليمان الجعيدي، الذي قال: "أعتقد أن طبيعة المرأة العاطفية، وحرصها الزائد على زوجها، وإيمانها بأنها المسؤولة عن زوجها، إضافة إلى اعتيادها على تولي شؤون أطفالها بنفسها، أمور تدفع الزوجة إلى التدخل لا شعورياً في شؤون الزوج، كما أن خوف المرأة من ذهاب الزوج إلى امرأة أخرى، يجعلها تبادر باستمرار بسؤاله عن كل صغيرة وكبيرة تخصه، الأمر الذي يسميه الزوج تطفلاً، ولكن من وجهة نظري أن عِلم الرجل بهذه المسألة يجعل موقفه أكثر ليونة عند حدوث التطفل".
ويؤكد الجعيدي أن "السقف الواحد الذي تعيش تحته الزوجة مع زوجها، والحرص الذي يبديه كل طرف تجاه الآخر، وشعور كل منهما بالمسؤولية تجاه شريك حياته، تجعل الزوجة تهتم بكل ما يتعلق بزوجها من الأخبار والمسائل إلى المشاكل؟ وهذا التصرف قد يبدو طبيعياً عند البعض بينما يعتبره البعض الآخر تطفلاً، وقد نهى المصطفى عليه السلام عن ذلك، كما روى الأمام أحمد في سننه: (سَمعْتُهُ يَنهَى عَن قِيلَ وَقَالَ وَعَنْ كَثرَةِ السُّؤَالِ وَإضَاعَةِ المال..)". وفي رأي المستشار الجعيدي أن "على الرجل أن يعلم أن هناك أموراً أساسية ينبغي التشاور حولها مع المرأة ويكون تدخل المرأة فيها أمراً طبيعياً، بينما الأمور الخاصة بالزوج وعمله وزملائه، فإن إلحاح المرأة عليها يصنفه الرجل على أنه صورة من صور السيطرة. وعلى العموم فإن الاتفاق بين الزوجين على ما يمكن المناقشة فيه وما لا يجب فيه من بداية الزواج، هي من الأمور المهمة التي تضبط سلوك الزوجين". ويشير الجعيدي إلى "جون غراي، وهو صاحب كتاب (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) يقول: "إن النساء عند حدوث خطب ما، فإنهنّ يملن إلى التحدث عن ذلك مع صاحباتهنّ وأزواجهنّ، في حين أن عموم الرجال لا يتحدثون عن مشاكلهم وخصوصياتهم حتى أمام زوجاتهم، وأي تدخل من المرأة في هذه الأمور يفسره الرجل على أنه تطفل، والزوجة الذكية هي التي تمنع نفسها من التدخل في مشاكل، فهي بذلك لن تزيد الأمور إلا تعقيداً، والصواب هو أن تقول له: "أنا حاضرة وموجودة بخدمتك أن احتجتني..". وحول ما إذا كانت طبيعة الرجل في عدم سرد التفاصيل تستثير حشرية الزوجة، يعود المستشار الجعيدي مرة أخرى إلى دراسة جون غراي ليقول: "الرجل عند الأزمات يكون أكثر انغلاقاً على نفسه، وهو يبحث عن التأييد من قِبل المرأة، على العكس من المرأة التي تميل إلى استعراض مشكلتها أمام الآخرين وتبحث عن التعاطف، فالتأييد هو ما يحتاج إليه الرجل عند الأزمات وليس التطفل".
* المتخصص النفسي الدكتور يوسف التيجاني:
- بعض الأزواج يلعبون دوراً في تكريس هذه الصفة:
1- كيف نعرّف الفضول والحشرية، وهل هما غريزة في المرأة؟
- الفضول هو من الناحية النفسية هاجس لا شعوري صعب الإرضاء والإشباع لمعرفة العالم والناس. والزوجة تهدف من خلاله إلى الحصول على معلومات تساعدها في الإحاطة بكل ما يتعلق بحياتها، ولا نستطيع إجمالاً أن نقول عنها إنها غريزة نسائية بحتة، فقد يكون الأمر مكتسباً ويتغير حسب طبيعة العلاقة الزوجية والمراحل العمرية.
2- ما العوامل التي تدفع الزوجة إلى ممارسة هذا السلوك؟
- قد يرجع هذا السلوك أحياناً إلى الجذور الاجتماعية للفرد، وهو ناتج طبيعي للخوف. فالإحساس بعدم الأمان، يدفع الشخص إلى البحث عن طرق وقائية، وذلك لامتلاك المعلومات الضرورية كي يطمئن قلبه ويستعد لمواجهة أي طارئ. وهذا ما يدفع المرأة إلى البحث عما تعتقد أن من المهم معرفته. كما أن بعض الأزواج يلعبون دوراً في تكريس هذه الصفة، بسبب المبالغة في السرية والتكتم، ما يثير فضول الزوجة.
3- ما النصائح التي يمكن أن تفيد في معلاجة فضول الزوجة؟
- نقول للزوجات إن هذا السلوك إذا تعدى حدوده المعقولة، قد يتحوّل إلى مرحلة الفضول السلبي، ويصبح هاجساً ووسواساً يتطلب الاستعانة بخبير نفسي. أما النصيحة الثانية فهي للزوج، الذي عليه عدم المبالغة في حجب المعلومات عن زوجته، لأن الغموض من السلوكيات التي تثير الشكوك لدى الزوجة
حلوتي